بقلم الإعلامي خالد سالم
في كثير من البيوت العربية، أصبح هناك مشهد يتكرر يوميًا؛ أبناء يجلسون في غرفهم، يخرجون لتناول الطعام، ثم يعودون إلى عالمهم الخاص، بينما تتحمل الأم والأب وحدهما مسؤولية إدارة المنزل بكل تفاصيله.
وكأن الأبناء يعيشون في فندق متكامل الخدمات، ينتظرون خدمة الغرف، والغسيل، والكي، وإعداد الطعام، والتنظيف، والرعاية الكاملة.
لكن الحقيقة التي يجب أن نتوقف عندها هي أن أولادنا ليسوا ضيوفًا في بيوتنا.
الضيف يأتي لفترة قصيرة، ويُكرم ويُخدم ثم يغادر، أما الأبناء فهم أصحاب المكان، وجزء أساسي من الأسرة، وشركاء في الحياة اليومية داخل المنزل.
ومن غير المنطقي أن يتحمل شخص أو اثنان كل الأعباء بينما يستمتع الآخرون فقط بالنتائج.
إن مشاركة الأبناء في الأعمال المنزلية ليست عقابًا، وليست انتقاصًا من مكانتهم، بل هي تربية حقيقية على المسؤولية والاعتماد على النفس.
فالابن الذي يتعلم ترتيب غرفته، وغسل أطباقه، والمساعدة في تنظيف المنزل، وإعداد بعض احتياجاته بنفسه، هو ابن يكتسب مهارات الحياة التي سيحتاجها مستقبلًا.
المشكلة أن بعض الأسر، بدافع الحب الزائد أو الخوف على الأبناء، تحرمهم دون قصد من تعلم هذه المسؤوليات.
فيكبر الشاب أو الفتاة وهو يعتقد أن هناك دائمًا من سيقوم بالعمل نيابة عنه. وعندما يواجه الحياة بمفرده يكتشف أنه يفتقد أبسط مهارات إدارة حياته اليومية.
علينا أن نغرس في أبنائنا مفهومًا مهمًا: البيت مسؤولية جماعية، وليس مؤسسة خدمية.
كل فرد فيه له حقوق وعليه واجبات.
فمن الطبيعي أن يشارك الابن في ترتيب غرفته، وأن تساعد الابنة في بعض الأعمال المنزلية، وأن يتعاون الجميع في الحفاظ على نظافة المنزل وتنظيمه.
وليس المقصود هنا التفرقة بين ولد وبنت، بل المقصود أن يتعلم الجميع قيمة المشاركة.
حين يساهم الأبناء في أعمال المنزل، فإنهم لا يخففون العبء عن الوالدين فقط، بل يتعلمون احترام الجهد الذي يبذله الآخرون من أجل راحتهم.
يدركون أن الطعام الذي يصل إلى المائدة يحتاج إلى جهد، وأن الملابس النظيفة لا تظهر وحدها داخل الخزانة، وأن المنزل المرتب لا يصبح كذلك من تلقاء نفسه.
أبنائي الأعزاء، أنتم لستم ضيوفًا عندنا، ولن تكونوا كذلك أبدًا.
أنتم أصحاب البيت وشركاؤه الحقيقيون.
كما تستمتعون براحة هذا المنزل، عليكم أن تشاركوا في مسؤولياته.
فالمشاركة لا تنقص منكم شيئًا، بل تبني شخصياتكم، وتصنع منكم رجالًا ونساءً قادرين على تحمل المسؤولية وخوض الحياة بثقة.
فالبيت الناجح ليس ذلك الذي يعمل فيه شخص واحد من أجل الجميع، بل ذلك الذي يتعاون فيه الجميع من أجل الجميع.
أولادنا ليسوا ضيوفًا عندنا… بل شركاء في بناء بيتٍ أجمل وحياةٍ أفضل.
بقلم الإعلامي خالد سالم.


