في زمن التحول الرقمي الذي نعيشه، أصبحت البيانات هي الأساس في إدارة شؤون الدولة وتنظيم حياة المواطنين.
ورغم أن هذا التحول يحمل في طياته الكثير من الإيجابيات، إلا أن التطبيق غير الدقيق لبعض الأنظمة قد يفتح أبوابًا لمشكلات معقدة، يدفع ثمنها المواطن البسيط.
من أبرز هذه المشكلات ما يحدث في إجراءات المرور والاستعلامات الأمنية، حيث يتم الاعتماد في كثير من الأحيان على الاسم فقط، دون الرجوع إلى الرقم القومي، وهو ما يسبب أزمات حقيقية نتيجة تشابه الأسماء.
في مجتمعنا، تتكرر أسماء كثيرة بشكل لافت، مثل: محمد أحمد محمد حسن، أحمد محمد محمود السيد،محمد علي أحمد علي، وغيرها آلاف الحالات المتشابهة.
هذا التشابه لم يعد مجرد أمر عادي، بل أصبح أزمة حقيقية بالأرقام.
فعدد سكان مصر تجاوز 100 مليون نسمة، ومع وجود أسماء أولى محدودة نسبيًا، نجد أن الاسم الواحد قد يتكرر مئات الآلاف بل الملايين من المرات.
فمثلًا، اسم “محمد” وحده يحمله ملايين المواطنين، وكذلك أسماء مثل “أحمد” و”علي” و”حسن”.
وعند تركيب اسم رباعي من هذه الأسماء الشائعة، قد نجد أننا أمام آلاف بل عشرات الآلاف من الأشخاص يحملون نفس الاسم حرفيًا داخل الدولة.
هنا تظهر الكارثة الحقيقية: قد يُفاجأ مواطن بوجود قضية أو مخالفة مسجلة عليه لمجرد أن اسمه مطابق لشخص آخر.
وعندما يحاول إثبات براءته، يجد نفسه في دائرة مرهقة من الإجراءات، ويُطلب منه أن يُثبت أن هذه القضايا لا تخصه، وكأن الخطأ خطؤه هو.
السؤال هنا: ما ذنب المواطن أن يحمل اسمًا شائعًا؟
وما ذنبه أن يتحمل عبء إثبات براءته بسبب نظام غير دقيق؟
لا شك أن التحول الرقمي خطوة مهمة ومطلوبة، بل وضرورية لمواكبة العصر، لكن لا بد أن يكون هذا التحول قائمًا على أسس سليمة، أهمها الاعتماد على الرقم القومي كمعرف أساسي لكل مواطن، وليس الاسم فقط.
فالرقم القومي هو الهوية الحقيقية التي لا تتكرر، وهو الضامن الوحيد لعدم الخلط بين الأشخاص.
إن استمرار تسجيل القضايا أو المخالفات بناءً على الاسم فقط يسبب: ظلمًا لعدد كبير من المواطنين إهدارًا للوقت والجهد في أقسام الشرطة والنيابات تعطيل مصالح الناس ضغطًا إضافيًا على أجهزة الدولة.
الأمر لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى قرار واضح: ألا يتم تسجيل أي مخالفة أو قضية على أنظمة المرور أو الجهات الأمنية إلا بالرقم القومي، وليس بالاسم فقط.
نحن لا نرفض التطوير، بل نطالب بتطوير حقيقي يحمي المواطن بدلًا من أن يرهقه.
في النهاية، نوجه نداءً إنسانيًا قبل أن يكون إداريًا:ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.


