بقلم / أمل الحربي
ليست كل النهايات تُشبه الاحتفال … بعض النهايات تُشبه أن تضع حملاً ثقيلاً أرضاً، ثم تكتشف أنك نسيت كيف تقف بدونه.
تخيل طائراً عبر عاصفة طويلة؛ في البداية كان يقاوم، ثم تعلم كيف يقتصد في طاقته، ثم نسي شكل السماء الهادئة.
وبعد أيام، حين انقشعت الغيوم أخيراً، لم يفعل ما تفعله الطيور في القصص؛ لم يغنِّ، ولم يفتح جناحيه، بل حط على أقرب غصن وأغلق عينيه.
ربما لأن النجاة ليست دائماً لحظة فرح.
وأحياناً تكون فقط لحظة توقف … ولعل هذا ما قصده هاروكي موراكامي حين قال: «وحين تخرج من العاصفة، لن تكون الشخص نفسه الذي دخلها، وهذا هو كل ما تدور حوله العاصفة.»
ومن هنا يبدأ سؤال لا نطرحه كثيراً: لماذا لا تأتي السعادة دائماً بالحجم نفسه الذي كان عليه الانتظار؟
ولماذا يحدث أن يقف الإنسان أمام النهاية التي تخيلها طويلاً، فلا يشعر بالنشوة، بل بشيء هادئ يشبه السكون؟
ربما لأننا نخطئ حين نظن أن الإنسان يقضي الطريق كله وهو يبحث عن الفرح.
فالفلاسفة، منذ زمن طويل، لاحظوا أن الإنسان لا يتحرك في وجوده بحثاً عن اللذة بقدر ما يتحرك هرباً من النقص، والخوف، وفقدان المعنى.
والنفس، في الفترات الطويلة، لا تطلب الزيادة؛ بل تطلب الكفاف.
لا تبحث عن مساحات جديدة للفرح، بل عن رقعة صغيرة يغيب عنها التهديد.
وهذا المعنى يلتقي مع ما التقطه ابن القيم بدقة حين قال:«فإذا حط السائر رحاله، لم يجد لذة أعظم من لذة انقطاع العناء.»
وكأن النفس، بعد الطرق الطويلة، لا تطلب فرح الوصول بقدر ما تطلب راحة التوقف.
في المسافات القصيرة يبقى الهدف الخارجي واضحاً ولامعاً: أن أصل.
لكن في الرحلات الطويلة والممتدة، يحدث تحول داخلي خفي؛ يتراجع الهدف الكبير المتخيل، ويتقدم مكانه هدف أصغر، أكثر بدائية وأكثر إلحاحاً: أن أستمر.
لا يعود الهدف أن يعيش الإنسان المشاعر كاملة، بل أن يحافظ على قدرته على العبور.
وهذا ليس ضعفاً، بل إحدى الطرق التي تحمي بها النفس نفسها.
فحين يعيش الإنسان فترة طويلة من القلق أو المسؤولية أو الاستنزاف، يعيد داخله ترتيب أولوياته؛ فتضيق مساحة المشاعر الواسعة، وتتسع مساحة ما يحفظ القدرة على الاستمرار.
وكأن النفس تعقد اتفاقاً صامتاً مع ذاتها:لن نشعر الآن …سنعبر أولاً.
وهنا لا تختفي المشاعر، بل تؤجل.
الخوف يؤجل.
الحزن يؤجل.
وأحياناً الفرح نفسه يؤجل …وهنا تماماً يتجلى المعنى الإنساني المذهل الذي خلده غابرييل غارسيا ماركيز في أجوائه الروائية واصفاً حال العائد من حروبه الممتدة:«حين انتهى كل شيء، لم يشعر بنشوة الانتصار، بل أحس بتعب هائل يتسرب إلى عظام اعتادت المقاومة، ولم يعد يشتهي سوى صمت لا يقطعه أحد.»
وهذا الاعتزال المؤقت للمشاعر يشبه ذلك المعنى الروحي الهادئ الذي عرفه الفكر الإسلامي؛ فالنفس بعد المقاومة الممتدة لا تطلب الفرح الراقص بقدر ما تطلب السكينة.
ومن هنا يولد ذلك الفراغ الغريب الذي يلي النهايات المنتظرة.
لا لأن الإنسان لم يفرح …بل لأنه استهلك جزءاً كبيراً من قدرته على الشعور أثناء الطريق.
ولهذا لا يكون أول ما يشعر به الإنسان بعد الوصول هو الامتلاء.
بل التعب.
ليس لأن النهاية لم تكن جميلة …بل لأن النجاة نفسها كانت عملاً كاملاً.
ولهذا، حين تنتهي المرحلة، لا يأتي الفرح أولاً.
يأتي أولاً الهدوء.
ثم بعد ذلك فقط …يتذكر الإنسان أنه نجا.
وهذا، على هدوئه كله، ليس غياباً للفرح.
إنه شكل أكثر نضجاً وعمقاً منه.
إنه أن تكتشف أن العاصفة انتهت …وأنك، رغم كل شيء، ما زلت هنا.
وربما لهذا …لا يغني الذين نجوا.
ليس لأنهم لم يفرحوا.
بل لأن بعض النجاة لا تُعلن بالأغاني …بل تُعرف من الصمت الذي يأتي بعدها.
أمل الحربي

