بقلم: خالد سالم
يُعد هرم أوناس واحدًا من أهم وأعظم الصروح الأثرية في تاريخ الحضارة المصرية القديمة، ليس فقط لكونه آخر أهرامات الأسرة الخامسة، بل لأنه يمثل نقطة تحول فارقة في الفكر الديني والجنائزي عند المصريين القدماء.
ففي أعماق هذا الهرم الخالد ظهرت لأول مرة “نصوص الأهرام” المنقوشة على جدرانه الداخلية، والتي تُعد أقدم النصوص الدينية المعروفة في تاريخ الإنسانية، وتحمل بين سطورها أسرار رحلة الإنسان نحو الخلود.
يقع هرم الملك أوناس في منطقة سقارة الأثرية، ورغم أن حجمه قد يبدو أقل من بعض الأهرامات الأخرى، فإن قيمته الحضارية والتاريخية تفوق حدود الحجر والبناء.
فكل ممر وقاعة ونقش داخل هذا الصرح العظيم يروي قصة أمة آمنت بالحياة الأخرى، وسعت إلى تخليد الإنسان من خلال العلم والفن والعقيدة.
لقد كان هذا الهرم مصدر إلهام كبير لي أثناء إخراج الفيلم الوثائقي “هرم أوناس… بوابة الخلود”، وهو عمل يسعى إلى تقديم رؤية بصرية وثقافية تكشف جانبًا من عظمة الحضارة المصرية، وتسلط الضوء على كنز أثري ربما لا يحظى بالاهتمام الإعلامي الذي يستحقه مقارنة بغيره من المواقع التاريخية الشهيرة.
ومن خلال هذا الفيلم حاولنا أن نقترب من روح المكان، وأن ننقل للمشاهد إحساس الدهشة الذي يراود كل من يخطو داخل ممرات الهرم ويتأمل نقوشه الخالدة.
وقد أسهم التعليق الصوتي المتميز للإعلامية حياة أبو الخير في إثراء العمل وإضفاء بعد إنساني وثقافي يعزز من رسالة الفيلم ويقربها إلى الجمهور العربي والدولي.
إن الحضارة المصرية ليست مجرد تاريخ يُدرس في الكتب، بل هي مصدر إلهام متجدد للعالم كله.
ومن هنا تأتي أهمية الدور الذي يقوم به الإعلاميون والمخرجون والمصورون وصناع المحتوى في إبراز هذه الكنوز الحضارية للأجيال الجديدة، وتعريف العالم بقيمة التراث المصري الذي يمثل جزءًا أصيلًا من التراث الإنساني العالمي.
وأدعو من خلال هذا المقال جميع الإعلاميين والمخرجين والمصورين والباحثين إلى توجيه المزيد من الاهتمام نحو المواقع الأثرية المصرية، وإنتاج أعمال وثائقية وفنية وإعلامية تسهم في إحياء الوعي بتاريخنا العظيم.
فكل معبد، وكل هرم، وكل نقش على جدار أثري يحمل قصة تستحق أن تُروى، ورسالة تستحق أن تصل إلى العالم.
إن الحفاظ على الحضارة المصرية لا يقتصر على ترميم الآثار وصيانتها فحسب، بل يمتد إلى توثيقها بصريًا وفنيًا وإعلاميًا، وإبراز قيمتها الحضارية والإنسانية.
فحين نقدم هذه الكنوز للعالم بلغة الصورة والإبداع، فإننا نؤكد أن مصر كانت وما زالت منارة للحضارة والمعرفة عبر العصور.
ويبقى هرم أوناس شاهدًا خالدًا على عبقرية المصري القديم، وبوابة مفتوحة على أسرار الخلود، ورسالة حضارية تتجاوز حدود الزمن لتصل إلى الإنسانية جمعاء.
خالد سالم
كاتب ومخرج فيلم هرم أوناس… بوابة الخلود.


