سألني الأستاذ عبدالله الصليح في أمسية «ليالي رمضانية ٦» عن تجربتي الكتابية الأولى مع رواية «الصريم»، فقلت: أولًا، عليّ أن أعترف أنني كنت قلقًا للغاية بشأن تطوّر الحكاية، وإلى أين كنت أتجه بها.
كما تزامن انتهائي منها مع بداية أزمة كورونا، في تقاطع غريب في التوقيت.
كنت متوترًا بشأن كيفية استقبال الجمهور لها، وما إذا كان القرّاء سيتمكنون من قراءتها بعمقٍ كافٍ لفهم سبب كتابتي لها، وبالطريقة التي كتبتها بها.
لم أكن واثقًا من روايتي مقارنةً بروايات الكتّاب الآخرين، لأنها ببساطة كانت روايتي الأولى.
(وبالمناسبة، إذا كان أي كاتب طموح يقرأ هذا الكلام ويفكّر بالطريقة نفسها، فنصيحتي له: لا تقلق… كلنا مررنا بتلك المرحلة).
أما عن الرواية ذاتها، فقد حكت عن حياة الآباء والأجداد النجديين الذين عاشوا في أكثر العقود صعوبة، فأطلقت على ذلك الزمن اسم “الصريم”: الليل الأسود الطويل، بالمعنى اللغوي.
ويحضرني هنا ما كتبته مشاعل محمد على صفحتها: «كل شيء يتلاشى في رياح الزمن، لكن بذور الذكريات تظل مزروعة في أعماق الروح، تنبت وفاءً لا يذبل، ليكون هو الوطن الأبدي للروح في رحلة الفقد والبقاء».
في هذا الأفق تُقرأ الشخصية الروائية في الحكاية ؛ فـ«زيد بن عثمان» ليس شخصية فردية بذاته، فقد كان رمز لزمنه وتحولاته.
فالإنسان النجدي في الرواية يظهر بوصفه كائنًا يتحرّك داخل شروط اجتماعية وثقافية متبدّلة، حيث تتقاطع القيم الموروثة مع ضرورات التحوّل.
وكيف تعيد الرواية تشكيل صورة الإنسان حين يمرّ المجتمع بمعاناة وأزمات كبرى؟
يتجلّى ذلك في هذا المقطع من الرواية:”لقد أتيت من قرية نجدية محاصرة بأسوار الموت: الجوع، والمرض، والعزلة، والجهل، والجفاف.
الفقر مستفحل في كل منحى من مناحي قريتي، نتعلم منذ الولادة التدبير والاقتصاد في كل شيء، كل ما يكلف مالًا حتى لو كان قليلًا فهو غالٍ، لا شيء رخيص غير آلام الناس.
“هنا تنتقل سيرة الفرد من حدود تجربة زيد الشخصية إلى فضاءٍ أوسع، يصبح فيه الإنسان تعبيرًا عن وعي جيلٍ كامل.
فالشخصية في الرواية تحمل ذاكرةً اجتماعية، وتجسّد صراعًا خفيًا بين الثبات والتغيّر.
وهكذا تغدو الرواية قراءةً في الإنسان وهو يعبر زمنه، وتصبح التحوّلات سردًا آخر للحياة نفسها.
دار أثر للنشر والتوزيع.


