بقلم
المخرج خالد سالم
رمضان.. شهر الرحمة أم موسم الغضب؟
كان شهر رمضان المبارك، في ما مضى، موسماً للسكينة والتراحم، وفرصةً تتجلى فيها أعظم قيم الإنسان المصري من صبرٍ وأدبٍ وحسن معاملة. غير أن المشهد اليوم بات مثاراً للقلق الحقيقي؛ فما إن يحلّ هلال الشهر الفضيل حتى تتصاعد حوادث التلاسن والشجار في الطرقات، وتنفجر خلافات كان يمكن أن تُحلّ بابتسامة أو كلمة طيبة. فما الذي أصاب الروح المصرية بهذا التبدّل الصارخ؟
الإجابة ليست بعيدة. إنها تسكن في شاشاتنا، وتنام معنا في غرفنا، وتجلس معنا على موائدنا. إنها الدراما المصرية بوجهها الجديد، الدراما التي بات العنف فيها لغةً أولى، والصراخ أسلوبَ حياة، والغدر والإجرام أدواتِ بطولة.
حين كانت الشاشة مدرسةً للجمال
لمن عاش تلك الحقبة الذهبية التي جمعتنا على شاشة ماسبيرو وحدها، كان رمضان يعني شيئاً آخر تماماً. كان يعني التجمع الأسري حول التلفزيون لمتابعة مسلسلات صنعت وجدان الأمة وشكّلت قيمها. في تلك الأيام الجميلة، ضحكنا من قلوبنا مع حسن أربيسك، وتعلمنا معنى الوفاء مع جمعة الشوان، وعشنا أحلام الطبقة الوسطى مع هوانم جاردن سيتي، وتذوقنا حلاوة الروابط الإنسانية مع أصحاب بوابة الحلواني والشهد والدموع.
وحين أطلّ ليالي الحلمية بأجزائه الخالدة، واللقاء الثاني، والحاج متولي، رسخت في أذهاننا صور إنسانية راقية عن القيم والمبادئ والوطن. كانت تلك الدراما تقول لنا في كل حلقة: هكذا تتعامل مع جارك، هكذا تحترم كبيرك، هكذا تحلّ خلافك دون أن ترفع صوتك أو يدك.
حين تحوّلت الشاشة إلى ميدان
ثم جاءت الشركات الإعلانية وانكسر الاحتكار الواحد، وتعددت القنوات وتوالت، وبدأ التنافس المحموم على الجمهور. ومنذ تلك اللحظة، لم يُعامَل المصري بوصفه مواطناً يستحق رقياً فنياً، بل صار سلعةً استهلاكية يُباع لها كل ما يُغري ويُشعل وينهك العقل ويرهق الروح. وكان العنف هو الطريق الأقصر إلى نسب المشاهدة.
شيئاً فشيئاً، غُرست في وجداننا مشاهد لم نعتدها لا في بيوتنا ولا في شوارعنا: الضرب المبرح، والإهانة صراحةً، والقتل في وضح النهار، والخيانة التي تُحتفى بها. وما درت الشركات الإعلانية أنها لم تكن تبيع مسلسلات، بل كانت تُعيد هندسة الإنسان المصري من الداخل.
العقل الباطن لا يعرف الخيال
علمنا علم النفس الحديث أن العقل الباطن لا يفرّق بين المشهد الحقيقي والمشهد المُمثَّل. حين تشاهد يومياً مشاهد عنف وصراخ وتعدٍّ، يتشرّبها لاوعيك ويتقبّل تدريجياً أن هذا هو السلوك الطبيعي في التعامل مع الآخر. ولهذا لا يُستغرب أن يُشعل رجلٌ في نهار رمضان حرباً في طابور السيارات على اختلاف بسيط، لأنه مُبرمجٌ الآن على أن الردّ الفوري بالصراخ والعراك هو الفعل الطبيعي والمقبول.
كثيرون يتساءلون: لماذا يتشاجر الناس في رمضان تحديداً رغم الصيام والتقوى؟ والإجابة أن رمضان يأتي بموسمه الدرامي الذي يُكثّف جرعات العنف على الشاشة، فيُضاعف الأثر النفسي في نفس الوقت الذي تصبح فيه الأعصاب أكثر حساسية بسبب الجوع والعطش والإرهاق.
شكراً صنّاع الدراما.. بمرارة
شكراً لكم يا من زرعتم في حياتنا ما لم نزرعه نحن في بيوتنا أو شوارعنا. شكراً على مشاهد الاعتداء التي أصبحت مرجعاً لأبنائنا في كيفية حلّ الخلافات. شكراً على قيم الغاب التي أدخلتموها إلى غرف معيشتنا مُغلّفةً بالإنتاج الضخم والموسيقى الصاخبة.
وأهلاً بكم في عصر المهرجانات والكباريهات والمستنقعات التي تُقدَّم على أنها فنٌّ وإبداع. رحم الله زمناً كان فيه الفن رسالةً، والفنان رسولاً، والمشاهد إنساناً يُحترم عقله ووجدانه.
خالد سالم — مخرج سينمائي وتلفزيوني

