فعلا بقيت على جهلي مدة طالت كثيرا إلى أن صرت أبا ..
علاقتي بوالدي ( رحمه الله وكل آبائنا ) كانت مثالية للغاية .. فقد كانت أقرب إلى الصداقة منها إلى العلاقة النمطية المعروفة التي بين الآباء والأبناء ..
لغة الحوار الراقي بيننا كانت الغالبة .. فرغم أنه لم يكن متعلما بمعنى أنه يحمل شهادات إلا أن ثقافته وسعة اطلاعه عوضتاه كثيرا وصبغتا شخصيته بالكثير من الفضائل والخصال الطيبة ..
لا أتذكر إطلاقا أنه ضربني ولو لمرة واحدة أو أنه أهانني أبدا ..
أستشعرت في قربي منه جمال وروعة الأبوة في أرقى وأجمل معانيها .. كان ذلك باعثا للسرور والسعادة في نفسه أيضا .. هكذا كنا إلى أن توفاه الله ..
كنت أحيانا أقف حائرا عندما أجد منه شيئا من الخوف أو الفزع عندما آتي ب ” عملة ” من إياهم أوعندما أتغيب عن المنزل بطريقة تسبب له القلق وللأسرة ..
فلم أكن استثناء من شقاوة الأطفال .. لكنه عندما كان يهدأ وتصفو نفسه ويعتدل مزاجه كنت أساله عن سبب خوفه وقلقه الشديد .. فكان يرد بجملة ظل عقلي الباطن محتفظا بها مدة طويلة لكن دون أن أعيها جيدا : لما تبقى أب ها تفهم ! ..
وها أنا الآن أعي جيدا ما قاله لي والدي وأعيشه مع أبنائي بكل ذرة في كياني .. رحمه الله همسه في أذن ابني العزيز :تأكد أن أجمل لحظة أعيشها الآن هي التي أرى فيها الفرحة تملأ وجهك ووجوه إخوتك ..
أو عندما أراك سعيدا موفقا في حياتك فلا تبخل بها علي لأن ما بقي ليس بكثير ..
لا أحتاج منك شيئا سوى انفراجة وجه وكلمة طيبة فقط………
سامحوني أحيانا أجد السلوى والراحة في اجترار الذكريات التي ليس لها مكان سوى هذه الصفحة.


