منذ ستين عاماً، وفي نفس هذا اليوم ٤ إبريل عام ١٩٦٦، شدَت سيدة الغناء العربي كوكب الشرق “أم كلثوم” لأول مرة بأغنيتها الرائعة “الأطلال” التي لحنها الموسيقار الأسطوري “رياض السنباطي” بأشعار الطبيب المبدع “إبراهيم ناجي”والذي توفي قبل سماعها بحوالي١٣عاماً.
كثير من النقاد والموسيقيين والمهتمين بالفن بشكل عام، يعتبرون هذه التحفة الموسيقية هي “أغنية القرن العشرين” في الغناء الشرقي كله .
ويعزو بعض المراقبين هذا التفوق الكاسح لهذه الأغنية، لأسباب تتعلق بطبيعة الحياة السياسية في مصر في تلك الآونة، وما رصده بعضهم من ضيق مساحة الديموقراطية والتعبير عن الرأي، وزيادة مشاعر الخوف والقلق في نفوس المصريين، وقد ظهر ذلك جلياً عندما ارتفع صوت “أم كلثوم” المعبر عن آمال وآلام هذا الشعب، وهي تشدو بكل شموخ وعزة، وبكل صدق ومن عميق وجدانها، بالمقطع الأشهر في هذه القصيدة أعطني حريتي أطلق يدي انني أعطيت ما استبقيت شيئا آه من قيدك “أدمى” معصمي !
فتفاعلت معها الجماهير بشكل ملفت ومثير كلما أعادت المقطع، وإزداد الترقب والإنصات مع كل كلمة وكل نغمة بعده، فحفظ المصريون على اختلاف قدراتهم كلمات الأغنية -برغم جزالة ألفاظها- عن ظهر قلب، وأصبحت من هذه الزاوية حديث الأروقة السياسية في المجتمعين المصري والعربي وفنياً .
ذهب بعض النقاد والموسيقيين، إلى أن التعاون الأخير لسيدة الغناء “أم كلثوم” مع سحرة الموسيقى المصرية، والذين سحروا آذان وقلوب الشعب بأعمال فنية عظيمة، مثل الساحر الخبير المجدد “محمد عبد الوهاب” في أغاني “انت عمري” ثم “انت الحب” و “أمل حياتي” .
والساحر القدير الموهوب “محمد الموجي” في أغنية “للصبر حدود”، ومن قبلهما الساحر العبقري الشاب “بليغ حمدي” في “أنساك” و ” أنا وانت ظلمنا الحب”و “سيرة الحب”، قد أثار حفيظة الموسيقار الكبير “رياض السنباطي”، فتعمد أن يلقي ما في جعبته الفنية بخلاصة إبداع عشرات السنين، فألقى في ساحة الفن وعلى مشهد من جموع الشعوب العربية قاطبة، بهذه التحفة الخالدة “الأطلال” لتلقف جميع تلك الأعمال الساحرة، فانبهر الجميع ومنهم هؤلاء السحرة أنفسهم بروعة ما قدم هذا الفنان العظيم، وتدارك البعض، وتذكر آخرون، أن هناك من يعتبر “رياض السنباطي” هو “كبيرهم الذي علَّمهم السحر”! .
ما هذه الدولة العظيمة التي أنجبت في زمن واحد كل هؤلاء السحرة المبدعين؟، ومن غيرها ؟، إنها العظيمة دائماً “مصر” .

