في هذه الايام ، يبدو أن الرأي الأعلى صوتًا يسيطر على الساحة، سواء على منصات التواصل الاجتماعي أو في وسائل الإعلام فالضجيج، الانتقادات، والمناظرات الحادة تملأ الفضاء، بينما تصمت الغالبية التي تعرف الحقيقة، أو على الأقل تمتلك فهمًا أعمق للأحداث.
هذا الصمت ليس ضعفًا دائمًا، بل غالبًا حذر وحكمة.
فى المناقشات اليومية على وسائل التواصل الاجتماعى كثيرون يعرفون أن خبرًا أو رأيًا معينًا مضلل، ومع ذلك يختارون الصمت، ربما خوفًا من جدال عقيم، أو من التعرض للهجوم الشخصي، أو لأن الصوت الأعلى والأكثر جرأة يفرض نفسه على الآخرين.
فكما قال ابن خلدون: «المغلوب مولعٌ بالاقتداء بالغالب»، بمعنى ان الإنسان يميل أحيانًا لمجاراة القوى السائدة، حتى لو كان يعي أن ما يفعلونه خطأ.
الرأي الأعلى صوتًا لا يعني الصواب دائمًا.
في كثير من الأحيان، يكون مجرد انعكاس للجرأة، أو التظاهر، أو القدرة على جذب الانتباه، بينما الأصوات الهادئة التي تحمل البصيرة تختار الصمت.
الصمت في هذه الحالة ليس مجرد غياب، بل استراتيجية ذكية للبقاء بعيدًا عن الضجيج والخطر.
الحياة كالمسرح كما يقولون وكل فرد يحاول تقديم صورة مقبولة للآخرين.
وبالتالى ، تصبح الصورة أكثر تأثيرًا من الحقيقة، والصوت العالى أكثر انتشارًا من الكلمة الصحيحة.
و الحقيقة قد تكون عند الصامتين ، بينما يملأ الضحيج العقول حتى لو كان خاطئا المفارقة الكبرى أن استمرار صمت الغالبية يسمح للأخطاء بالتمدد، ويقلل من تأثير العقل الهادئ.
فالصمت حكمة، لكنه مؤلم؛ كما انه يترك المجال للسطحية والخطأ.
وإن لم يقابل الصوت العالى بالتحليل والفكر ، يصبح مجرد ضجيج، يملأ الفضاء دون أن يضيف قيمة حقيقية.
في النهاية، يحتاج المجتمع إلى شجاعة القليلين الذين يجرؤون على قول الحقيقة، وليس فقط إلى صخب الأغلبية.
لأن الفرق بين المجتمع الذي ينهض وبين المجتمع الذي يظل أسيرًا للسطحية، غالبًا ما يكون في صوت العقل الصامت الذي ينتظر اللحظة المناسبة ليعلو على الضجيج.

